الحداگ والحداگة في البصرة

طالب عبد العزيز

حداكة على شط العرب، فوتوغراف: أحمد محمود.

ينفرد البصريّون عن غيرهم من سكّان العراق بتسمية الصيد في الماء بـ(الحداگ) ولم أجد جذراً لغوياً للمفردة سوى في التحديق، أيْ من حدَّقَ يحدِّقُ، أو مُحْدِقْ، أي محيط، وهذا ما لا علاقة له بفعل الصيد، بكل تأكيد. فالبصريُّ يقول لزوجته: (أنا رايح للحَداگ) أو أريد أحْدگ، والرجل المفرد حدّاگ، والمجموعة حدَّاگة، والحَدَاگ حرفةٌ وهوايةٌ تصل حدَّ الادمان، ولعل مشهد الحداگة الجالسين على جسر التنومة في الصيف خير شاهد على إدمان هؤلاء، مثلما هو دالة عليهم، وصورة مألوفة عند مستعملي الطريق. المشهد لافتٌ، ويمنح المدينة صورة مختلفةً، حيث يخرج بعضهم بعد صلاة الفجر مباشرة، ولا يعود إلا بعد مغيرب الشمس، وسواء عنده أكان الصيد وفيراً أم لم يكن، فالمهم عنده فعل الحداگ نفسه. 

     ولعلَّ ما قامت به الشركة المنفذة لمشروع كورنيش شط العرب من ترصيف وتحجير الضفة الغربية للشط الذي أتاح لهؤلاء الفرصة الأجمل في ممارسة هوايتهم، على الرغم من طغيان سمك البلطي الكريه، وندرة الأسماك التي يفضِّلها البصريون مثل الكارب والشانك والبرازم، لكنَّ شاطئ الحجر المرتفع حتى الرصيف الذي يندسُّ الحداگة تحته، ولا تصفعهم الشمس صارَ ملاذهم الامين، الذي يجدون فيه ضالتهم. هناك أحاديثُ وحكايات ولطائف يتبادلها جماعة الحداگة بينهم، ولا نعدم بينهم من يحمل خمرته معه، فلا يشعر به أحدٌ، فهو يدلو بدلوه (علبة حليب كيكوز) في الماء، حيث يجلس موهماً المارَّةَ بأنَّ الذي فيها هو ماءٌ قراحٌ يشربه.

  السمك المفضل للصيادين في شط العرب شحيح داخل المدينة، فحركة القوارب البخاريّة والسيارات وضجيج المارة والموج العالي يفسد عليهم متعة الصيد (الحداگ). الذين يضجرون من تعلّق سمك البلطي بصناراتهم سرعان ما يغادرون الشط، باحثين عن مكمن آخر، فينحدر البعضُ منهم أسفل المدينة، باتجاه أبي الخصيب والسيبة وسيحان والدويب والمخراق وصولاً إلى الفاو الجنوبي، حيث وفرة السمك الطيب وانعدام البلطي الكريه، ففي أيام الجمعات والعطل يحمل هؤلاء خيوطهم وصناراتهم وشباكهم مع أمتعتهم الى هناك، لتمضية أمتع الاوقات، ومن ثم عائدين بالوفير من الصيد، لكنَّ الرحلة إلى هناك لا تخلو من منغصات، إذْ غالباً ما تمنعهم شرطة الحدود، تحت ذرائع أقبحها مطاردة المهربين.

ولأنني واحدٌ من هؤلاء الحداگة، فأكاد أجزم بأنني أعرفهم واحداً واحداً، إذْ ليس بينهم من له علاقة بالتهريب والمهربين وتجاوز الحدود، وأمرهم واضح معلوم عند الحكومة المحلية ورجال الشرطة أيضاً، فما يعنيهم هو الصيد ليس إلا، وما مطاردة الشرطة لهم ومنعهم إلا حرمانهم من أجمل المتع في حياتهم، إذا ما علمنا بأنهم غالبيةٌ من المتقاعدين، الذين تضيق البيوت بهم، فيخرجون بحثاً عن ساعات أقل نكداً وضجراً.

  ولأنني واحدٌ من هؤلاء الحداگة، فأكاد أجزم بأنني أعرفهم واحداً واحداً، إذْ ليس بينهم من له علاقة بالتهريب والمهربين وتجاوز الحدود، وأمرهم واضح معلوم عند الحكومة المحلية ورجال الشرطة أيضاً، فما يعنيهم هو الصيد ليس إلا، وما مطاردة الشرطة لهم ومنعهم إلا حرمانهم من أجمل المتع في حياتهم، إذا ما علمنا بأنهم غالبيةٌ من المتقاعدين، الذين تضيق البيوت بهم، فيخرجون بحثاً عن ساعات أقل نكداً وضجراً.

   في الخريف الماضي ذهبتُ مع أصدقاء حداگة الى قرية الگطعة، التي على نهر سهل بن عبد الله التستري (صوفي ولد في تستر بإيران وتوفي بالبصرة سنة 283 هجرية) فوجدت الطريق اليها مغلقاً، مع أنه يبعد عن شط العرب بمسافة كبيرة، ووجود أكثر من نقطة للشرطة. ارتحلنا بعدها الى قرية سيحان، فقيل لنا: ممنوع الصيد هنا، ولذات الحجة، وهكذا، صرنا نتنقل من مكان الى آخر والشرطة تمنعنا، حتى اضطررنا الى العودة خائبين. وما معاناة الصيادين في بحر البصرة بأقل من هذه، فالإيرانيون يمنعون والكويتيون والسعوديون كذلك يفعلون.

  ربما نجدُ في المنصَّة هذه (مرفأ) نحن معشر الحداگة، من يتنبه إلينا، ويأخذ بعين قلبه أهمية حاجتنا الى الصيد، إذْ من غير المعقول حرمان البصريين من الحداگ، الذي يشكّل لدى بعضهم جزءًا من مادة حياته، حيث تنفد الأيام، وتضيع الأعمار، وتتراكم الشجون والهموم ولا متنفس إلا بالحداگ.

مواضيع ذات صلة

بانتظار مدينة ومركز علاجي.. الكربلائي يعلن افتتاح مستشفى الثقلين لعلاج الأورام

قوة من الأمن الوطني تعتقل مدير بيئة البصرة

العيداني: البصرة كانت تنتظر زيارة تاريخية لرئيسي

مقاهي البصرة الأدبية سابقاً

بعد توقفها لأكثر من 21 عاماً.. مجلة الموانئ تعود للواجهة

مغايز: طيرٌ متفوّق وجناح حرير لفيرمان