مغايز: كعبٌ وحقيبة بلون البنفسج

تمارا العطيّة

لا أتذكّر متى كانت آخر مرة تجولت بها هنا في مثل هذه المجمّعات، لكنني متأكدة من مرور وقت طويل منذ حدوث ذلك. إذ وبمجرد مضي عشر دقائق لي هنا وأنا بين الحاجات الكثيرة المتنوعة ورائحة خامتها الرديئة، بدأت أشعر بالدوار والقلق. اكتظ المجمع التجاري، الذي اصطف مع مجمعات كثيرة أخرى في الجانب الآخر من سوق العشار، بالبضاعة متنوعة الأحجام والألوان والموديلات؛ ملابس، أحذية، حقائب بكل الألوان وطيف تدرجاتها الواسع، وبكافة الموديلات البسيطة والمبتذلة وحتى الأنيقة منها (التي يثلم كمالها عادةً تفصيلة صغيرة تمر خلسة لتفضح للمتفرج توقيع جمهورية الصين الشعبية). الشيء الوحيد الذي جمع هذا الكم وهذا التنوع هو رداءة صنع ومادة وتنفيذ كل ما كان معروضاً. وهذا يعني أن كل ما يُشترى هنا سيُتلف بغضون أشهر قليلة. ومع “البحبوحة” الاقتصادية التي تعيشها العوائل العراقية مؤخراً، فأن أي شق أو خدش أو تلف (لا مفر منه) في خامة هذه الحاجات سينتهي بها الأمر، ملونة وبراقة ولامعة، في سلة القمامة.

“كيف سيصل وعي الاستهلاك المسؤول لمواطن عاش فترة حصار اقتصادي جعل من كل ما دون المأكل والمشروب رفاهيّة مستحيلة؟!”

العراق من البلدان المستهلكة التي تفتح أسواقها الآن للبضائع من كل حدب وصوب. ورغم اعتبار هذه الحركة التجاريّة من مؤشرات ازدهار التجارة، وبالتالي ازدهار الاقتصاد، لكن في عالم يواجه تحديات كبيرة للتخلص من آثار الإنتاج المتدفق Mass production الذي كان من إنجازات الثورة الصناعية الأولى الكبرى، يصبح مثل هذا الاستيراد غير المسؤول خطراً بيئياً كبيراً. وبينما يتبنى العالم مناهج جديدة للحد من مثل هذه الآثار البيئية الخطرة، وبينما تتطلب أيضاً مثل هذه المناهج تطبيق على نطاق مؤسساتي وعلى كافة الأصعدة، لا زال العراق في بداية طريقه لفرض هكذا برامج على نطاق واسع ومنظم. تكاد تخلو أيضاً القطاعات الأخرى من هذه المناهج، وإن وجدت، فعلى نطاق ضيق بين المؤسسات الخاصة التي تعمل ضمن هذا النهج أما لوعيها فعلاً أو لإتباعها ما تفرضه عليها جهة دولية ممولة لها في برنامج ما، تتبع أجندة دولية لدعم البيئة. وبذلك فأن مثل هذا الوعي لا زال بعيداً عن متناول المجتمع والافراد، خاصة أن هذه المجتمعات قد عاشت سابقاً سنوات من الحروب، والحصار الاقتصادي الذي خنق الفرد وحدد كافة سبل معيشته الأساسية. كيف سيكتسب هذا الفرد وعي الاستهلاك المحدود بينما تلتمع أمامه البضائع الكثيرة بأسعار مناسبة وبتنوع وتفاصيل مذهلة؟

“من منا لم يفترش ملابس العيد على سريره، مع الحرص على تنسيق موقع الحذاء بالتناسب مع موقع الملابس، في ليلة العيد؟”

لم تكن سابقاً دواعي شراء الملابس والحاجات كثيرة. وكانت الأسواق المحلية تتبع محدودية هذه الدواعي. فلم تكن الخيارات المتاحة كثيرة. وكانت تلبي حاجة الاقتناء، التي تنحصر على الأغلب في مواسم السنة الدراسية الجديدة والأعياد، وتشبعها لحد ما. خلقت هذه المحدودية علاقة خاصة مع الحاجة، وارتبط القميص أو الحذاء أو الفستان الذي تشتريه بمناسبة اقتناءه، ثم كان يكتسب روح جديدة في كل مرة يؤدي به دوره بيوم عمل آخر، أو بحضوره المناسبات والاجتماعات واللقاءات. إضافة لذلك، فأن هذه المحدودية قد فرضت أن يكون المتوفر بالطراز العملي والألوان الأساسية. انطبق هذا تحديداً على الأحذية والحقائب التي كانت تنتج أكثر الأحيان محلياً. أتذكر جيداً كيف بدا أمامي حذاء وحقيبة بلون البنفسج، جلبتهما عمتي، التي تسكن خارج العراق، لأختي الكبيرة. كان اللون ساحراً وغريباً لدرجة جعلتني أحلم بالوقت الذي سأكبر فيه وأتأهل كفاية لألبس هذا الطقم. وقد تحقّق كل هذا بعد فترة من الزمن؛ تزينت بكعب وحقيبة البنفسج فور دخولي الى الجامعة.

الآن وبينما أمر بملل على عارضة للأحذية والحقائب ملونة بكافة تدرجات البنفسجي والأرجواني والعنابي، أتوق لتوقٍ جعلني انتظر سنوات كثيرة لكي أستطيع ارتداء طقم البنفسج الذي حافظ على رونقه ومتانته رغم مرور الوقت الطويل.

أصبح تسوق الملابس الآن ممارسة رائجة وجزءاً لا يتجزأ من حياة الفرد الحضري في سبيل مواكبة انساق اجتماعية معقدة. ورغم تنوع ما يعرض، بين الرديء والجيد الى الجيد جداً (وهذا قليل)، فأن المشتري بحاجة ماسة لاكتساب وعي الاستهلاك الصحيح، وإدراك أهمية فهم الاستهلاك الذكي في مقارنة الجودة لقاء السعر وعمر القطعة، إضافة لأهمية أن يشعر المشتري بقيمة الحاجة، وروحها، وجمال البنفسج حين يتألق في العارضة وحيداً.

مواضيع ذات صلة

بعد توقفها لأكثر من 21 عاماً.. مجلة الموانئ تعود للواجهة

مغايز: طيرٌ متفوّق وجناح حرير لفيرمان

معين الحسن يباشر مهامهُ قَائِمْقَاماً لقضاء القرنة

المرياني لـ “مرفأ”: جلسة مجلس البصرة يوم غد ستناقش عدداً من الملفات بينها مكاتب التشغيل

انفلاقات “معركة ذات الصهاريج”.. السماوي يرد على نائب لم يسمّه هاجم السوداني

معركة “ذات الصهاريج”.. سند: السوداني رفع شكوى ضدي بسبب كشف ملف التهريب