البصرةُ أغنية

طالب عبد العزيز

   لم يدر في خلد الرجلِ، الذي أركن دراجته بشارع الفراهيدي أنَّ الكرسيَّ الذي يجلسُ عليه هو خاصة أحدهم، وهكذا ظلَّ جماعةُ العازفين واجمين، حيارى، توحّدهم ابتسامة خجول، محملقين بوجوه بعضهم، بانتظار فراغ كرسيِّ صاحبهم. وهكذا، راحوا ييبحثون في بطون آلاتهم. صاحبُ العود يخفي نصف رأسه، مداعباً أوتاره، بانتظار الدوزان الذي يريده، والطبّال ينقر بأصبع مبحوحةٍ على قحف الطبلة، فيما يمسح ضاغطاً براحة يده على جلدتها اللينة، وكذلك كان الآخرون، فيما ظلَّ الكاسور بدشداشته البيضاء ويشماغه اليماني بانتظار مغادرة الرجل، شاغل الكرسي.

  يقع شارع الفراهيدي بين رقعتي محلة العباس وكمب الأرمن، الذي يلي مبنى الاطفائية، وهو جهد فرديّ تبنته مجموعة من الشباب (انجاز)، استمالوا الحكومة المحلية ذات يوم فمنحتهم رخصة تأسيس ما يعرفُ اليوم بشارع الثقافة، الكائن في الرقعة الطولية الممتدة بين محلة العباس وكمب الأرمن.  ما عادت الناس اليوم ترى القبر المنسوب للعباس، (لا علاقة للقبر بالإمام العباس) إذْ، يمكننا تسمية أيّ رجل بالاسم هذا، واضفاء قدسية ما عليه، وكذلك اختفى بيت صديقنا المعلم الارميني اسكيناس، الذي ظلَّ على دراجته الهوائية يذرع الطريق الى أم البروم، قبل أن يختفي مع ما اختفى من بيوت الكمب. الآن، يمكننا أنْ نقول بأنَّ شارع الفراهيدي يقوم على اندثار الضريح وسقوط حجارة الكمب.

   وجدَ العازف الاخير كرسياً، كان صاحبه قد تخلى عنه، فجلس يطمئن آلته، فيما بدا واضحاً أنَّ جماعة العازفين كفّوا عن التهامس بينهم، وحزموا أمرهم، متفقين على الأغنية الأولى، التي سيتحلق حولها الجمهور، الملتئم بنصف دائرة حولهم، ومن أصابعه السمر، الطاعنة ببصريتها صدح صوتُ العود، ودكت الخشابة منظِّماً المجموعة، التي سرعان ما راحت تردد الأغنية، وسط مشاركة الجالس، والعابر، والمستطرق، ومتصفح الكتب، وبائع الانتيكات، والطالع صحبة ابنته الصغيرة، والمتبضع من السوق الصغير، فليل البصرة مختلف. هكذا، يقول أحدهم، وهو يطوّح برقبته، متناغماً مع الأغنية التي ملأت الشارع وينشغل بها الجالسون والعابرون الآن.

   أنا أيضاً وجدتُ كرسياً شاغراً وجلستُ، منسجماً مع ما يتلى، وينغّم، ويصّاعد، فهو يرفو ما تمزَّق من دشداشة الهوان عليْ. يقول من لا عِلم له: البصريُّ الأسودُ من زنجبار حسب هو من لا يقوى على سماع الطبل، وأقول ما هو من البصرة بشيئ من لم يتمكن الطبل من روحه، فصوت الطبل يحفر عميقاً في الذات البصرية، وحده من يخرجها من هدوئها، وحيائها، واستكانتها، وسلبيتها حتى، غير مبالٍ بمن يستقبح، ويستنكر. لمَ يمنعني جلوس المرأةُ الجميلة أمامي من التطويح برقبتي، مأخوذاً من أعماق روحي، ومحمولاً على صوت جماعة المنشدين، العازفين، وهم يرددون (غيبي ياشمس غيبي/ متواعدْ آنه وحبيبي/ غيبي، غيبي، يلله غيبي..)

وأقول ما هو من البصرة بشيئ من لم يتمكن الطبل من روحه، فصوت الطبل يحفر عميقاً في الذات البصرية، وحده من يخرجها من هدوئها، وحيائها، واستكانتها، وسلبيتها حتى، غير مبالٍ بمن يستقبح، ويستنكر. لمَ يمنعني جلوس المرأةُ الجميلة أمامي من التطويح برقبتي، مأخوذاً من أعماق روحي، ومحمولاً على صوت جماعة المنشدين، العازفين، وهم يرددون (غيبي ياشمس غيبي/ متواعدْ آنه وحبيبي/ غيبي، غيبي، يلله غيبي..)

  لا حاجة لك بدعوة البصري لسماع أغنية. هو يأتي، ينقاد للنغم طائعاً، لذا لا يدعو جماعةُ العازفين(الخشابة) أحداً لحضور حفلاتهم، هم يغنون حسب، وكل صعيد في البصرة يصلح لأغنيتهم، لقد مهَّد الآباء الأولون الارض، فتراهم في السوق، وفي الشارع، وتحت نخلة، وخلف جدار قديم، وبين قاربين، أو على ضفة نهر. ليس المكان حاجة لديهم، هو دالةٌ حسب، لأنَّ الأغنية حاضرة القلوب، ويحفظها الجميع، والاكفُّ جاهرة للتصفيق، والاكتاف تستجيب فتهتزُّ وترتجف، وما أنْ تضرب بأصبعك على وتر أو تُصدر صوتاً من طبل أو تنشد أغنيةً، أيَّ أغنيةً، وإن لم تكتبْ وتسمعْ من قبل حتى تتفتقُ الازقة والابواب عن مشاركين، وتنشقُّ الاخصاص والحيطان عن حناجر وأكف لا حصر لها..  ليس من الاهمية بشيء أن تعرفهم، فأنت في البصرة، إذْ كل من حولك هم أنت.

     يركن الرجلُ الخمسيني دراجته، ويحكم قفلها، وكما لو أنه كان هنا قبل ساعتين سمعته يردد معهم (سمّعنه يا بو العود- اطربنه يابو العود) وببراءة طفل أسمرَ راح يطوّح برقبته الى اليمين والشمال، باحثاً في فمه عن ابتسامة سائلة، يترفع فيها على التطويح ذاك، لكنَّ الكاسور صار يلحُّ، مطالباً الجمهور بالصفقة البصراوية، لهذا تعالت الأصوات ودوّت الأكف، واهتزت الأكتاف، وملأت الأغنيةُ الأزقة والبيوت القريبة، ومثل عاصفة تعاظم شانها آخرَ الليل، فتوغلت كبيرةً في صالات الرأي، وأبهاء الفنادق البعيدة، حيث يقيم الاقتصاديون، والمرابون، ومهربو النفوط، ومشعلو الفتن، والمشعوذون، وسواهم مع جواريهم وسراريهم في  فنادق الدرجة الاولى. هي الآن تقضُّ مضاجعهم.

  وفيما كان المنشدون يرددون مقاطع الأغنية المستلة من أوبريت بيادر خير (لال ولول ولوه، شوف بحالي شسوّى- الحُبْ مو بالقوة ) كانت المرأة وسط الشارع الخدميّ تجاهد، تجرُّ صبيتها، التي توقفت تلوّح بجديلتها، مرددة معهم أغنية طفولتها، ومن مجلسي في الشاعر كنت أسمع صوت حذائها وهي تكتحته على الأسفلت.

مواضيع ذات صلة

مقاهي البصرة الأدبية سابقاً

بعد توقفها لأكثر من 21 عاماً.. مجلة الموانئ تعود للواجهة

مغايز: طيرٌ متفوّق وجناح حرير لفيرمان

معين الحسن يباشر مهامهُ قَائِمْقَاماً لقضاء القرنة

المرياني لـ “مرفأ”: جلسة مجلس البصرة يوم غد ستناقش عدداً من الملفات بينها مكاتب التشغيل

انفلاقات “معركة ذات الصهاريج”.. السماوي يرد على نائب لم يسمّه هاجم السوداني