مسناة: دمعةُ الرَّبِّ الكبيرة

طالب عبد العزيز

   أقولُ لأبنائيَ في لحظاتٍ أجدني فيها غاضباً: “لا خيرَ بي إنْ اهتديتُ لمعرفة أحدكم، صادقاً أم كاذباً من رسمة وجهه وحديثه وحركة يديه، وفي تصلبه أو خجله.. أنا أعرفه من قفاه حسب”. ألجأ لقول الجملة هذه أحيانا، مع المراهقين منهم، متفادياً مرةً، ومختصراً أخرى تفاصيل واقعة ما، وربما استعرضتها في لحظة فخر بطرياركية، أراها موجبة في الحرص والتأديب والتأنيب أيضاً.

  يمنحُ الزمنُ الانسانَ العارفَ المسكونَ بالهواجس والاحاسيس فراسةً خاصةً، وتكمِلُ تعابيرُ الوجه وحركةُ اليدين والكلماتُ صفقةَ الفراسة تلك، التي يتعهدها الانسانُ، فتأتي النتائجُ يقينيةً، قاطعةً في غالب الاوقات. قد يحتاجُ الأبُ لمثل الاستنطاق الخفيِّ هذا في تربية أولاده، وربما تنفعه في التعاملِ مع الحقائق والاكاذيب، التي يواجهها، داخل وخارج البيت أيضاً، فالحياة غامضةٌ ومُربكة، والوجودُ الانساني ينطوي على جملة مجاهيل واسرار كثيرة. تذكرتُ هذه وأنا أنصتُ لأحد ضباط التحقيق، متحدثاً عن الطرائق التي يستدلُّ بها مع من يحقق معهم، من المجرمين واللصوص والقتلة، فمن وقوفه وذبول جفنيه وحركة يديه يَعْرفُ متعاطي المخدرات مثلاً.

  لكن، أورثني التباهي بالمعرفة هذه حزناً صار يؤرقني، بعد أنْ أدمنتُ الجلوس في مؤخرة الحافلة، ورحتُ أطيل النظر برؤوس الجالسين أمامي، متأملاً هذا وذاك. هناك أمرٌّ مفزعٌ في هيئات هؤلاء من الخلف، فقد رأيتهم مستسلمين ومهزومين وحزانى. منظر الانسان من القفا شيءٌ مخيّبٌ ويدمي القلب. تصطف أمامي حشودٌ من رؤوس وأعناق مائلة، قلما وجدتها صُلبةً ومتحديةً، تؤرجحها مطبّاتُ الطريق، تميل وتستعيد توازناً نسبياً، فهي قلقةٌ بين كتفين فقيرين. هناك فعل استكانة مضمرٌ دائماً في شكل الانسان من الخلف، ولا أثر لشجاعة أو صلف وقوّة، هو فقيرٌ، كتلة يائسةٌ جاثمةٌ أودى بها حزنٌ عميقٌ جداً، فمنظره يستدرُّ العطف، لا أعرف كيف أو لماذا؟ لكنني هكذا صرتُ أراهم، هم يفطّرون قلبي. لم أرَ من يضمرُ سوءاً بأحدٍ منهم، ولا أشعر بتهديد ما لحياتهم، أبداً، لكنني، خائفٌ عليهم، كما لو أنَّ كارثةً ستحيق بهم، فتُشجُّ الرؤوس ويتناثرُ اللحم. يا إلاهي، ما الذي فعلوه لكي يكونوا على الصورة الصادمة هذه!!

  قد تبدو صورةُ بعضِ الوجوه من الامام صارمةً، عدوانيةً، قاسيةً، متجهّمة، عابسة وغاضبة.. وقد يبدو بعضها الآخر بشوشا ولطيفا وهادئاً.. الخ وهذا شأن الطبيعة البشرية، التي تختلف بين شخص وآخر، وبحسب اللحظة التي هي عليها، لكنها لا تبدو كذلك من الخلف، إذْ أيُّ قفا لأنسان ما يشبهُ القفا الآخر، هم متساوون من الخلف، ذات الرؤوس وذات الاعناق وذات الاكتاف، مستكينون وخائفون وفقراء توحدهم مخاوفي عليهم، وهم سواءٌ في التراجيديا الانسانية هذه. هناك من ترك جثته هامدةً في مقعده ونام، وهناك جسدٌ التحفَ يأسه فتداكك، وآخر أودت بأسبابه نازلةٌ من عوز وقنوط، وهذه عنق تذبل، استبدَّ بها توقُها للوحدة فهوت مستسلمةً. صدورٌ باهظة الأمل تسترها قمصانٌ صفر، ومثلها رؤوس تطأطئ، فتهوي، لكانها تلامس الارض في شبه وداع أخير…

   أجدُ أنَّ الذين شرَّعوا الحكم بالإعدام رمياً بالرصاص، وجها لوجه(الرامي والمقتول) كانوا محقّين، فالقاتل لا يقوى على قتل ضحيته من الخلف، لأنه قد يجد سبباً في ملامحه بإطلاق النار، لكنه لن يجد السبب ذاك بين كتفيه وفي رأسه من الخلف. رعبٌ مهولٌ سيسكنه إلى الابد، إنْ أقدم على قتله، وسيتملكه فزعٌ لا رادَّ له. رحماك يا إلاهي: الانسانُ من الخلف لا يبدو انساناً، هو رغبة انسانية لا غير، دمعةٌ بعينِ ربٍّ يحتضرْ.

مواضيع ذات صلة

مقاهي البصرة الأدبية سابقاً

بعد توقفها لأكثر من 21 عاماً.. مجلة الموانئ تعود للواجهة

مغايز: طيرٌ متفوّق وجناح حرير لفيرمان

معين الحسن يباشر مهامهُ قَائِمْقَاماً لقضاء القرنة

المرياني لـ “مرفأ”: جلسة مجلس البصرة يوم غد ستناقش عدداً من الملفات بينها مكاتب التشغيل

انفلاقات “معركة ذات الصهاريج”.. السماوي يرد على نائب لم يسمّه هاجم السوداني